فخر الدين الرازي

259

تفسير الرازي

السؤال الرابع : كانوا كلهم كفرة ، فما معنى القسمة في قوله : * ( آثماً أو كفوراً ) * ؟ الجواب : * ( الكفور ) * أخبث أنواع الآثم ، فخصه بالذكر تنبيهاً على غاية خبثه ونهاية بعده عن الله . السؤال الخامس : كلمة أو تقتضي النهي عن طاعة أحدهما فلم لم يذكر الواو حتى يكون نهياً عن طاعتهما جميعاً ؟ الجواب : ذكروا فيه وجهين : الأول : وهو الذي ذكره الزجاج واختاره أكثر المحققين أنه لو قيل : ولا تطعهما لجاز أن يطيع أحدهما لأن النهي عن طاعة مجموع شخصين لا يقتضي النهي عن طاعة كل واحد منهما وحده ، أما النهي عن طاعة أحدهما فيكون نهياً عن طاعة مجموعهما لأن الواحد داخل في المجموع ، ولقائل أن يقول : هذا ضعيف ، لأن قوله : * ( لا تطع ) * هذا وهذا معناه كن مخالفاً لأحدهما ، ولا يلزم من إيجاب مخالفة أحدهما إيجاب مخالفتهما معاً ، فإنه لا يبعد أن يقول السيد لعبده : إذا أمرك أحد هذين الرجلين فخالفه ، أما إذا توافقا فلا تخالفهما . والثاني : قال الفراء : تقدير الآية لا تطع منهم أحداً سواء كان * ( آثماً أو كفوراً ) * كقول الرجل لمن يسأله شيئاً : لا أعطيك سواء سألت أو سكت . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا النهي عقبه بالأمر ، فقال : * ( وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * وَمِنَ الَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ) * . وفي هذه الآية قولان : الأول : أن المراد هو الصلاة قالوا : لأن التقييد بالبكرة والأصيل يدل على أن المراد من قوله : * ( واذكر اسم ربك ) * الصلوات . ثم قالوا : البكرة هي صلاة الصبح والأصيل صلاة الظهر والعصر * ( ومن الليل فاسجد له ) * المغرب والعشاء ، فتكون هذه الكلمات جامعة الصلوات الخمس وقوله : * ( وسبحه ليلاً طويلاً ) * المراد منه التهجد ، ثم اختلفوا فيه فقال بعضهم : كان ذلك من الواجبات على الرسول عليه السلام ، ثم نسخ كما ذكرنا في سورة المزمل واحتجوا عليه بأن قوله : * ( فاسجد له وسبحه ) * أمر وهو للوجوب لا سيما إذا تكرر على سبيل المبالغة ، وقال آخرون : بل المراد التطوع وحكمه ثابت . القول الثاني : أن المراد من قوله : * ( واذكر اسم ربك ) * إلى آخر الآية ليس هو الصلاة بل المراد التسبيح الذي هو القول والاعتقاد ، والمقصود أن يكون ذاكراً لله في جميع الأوقات ليلاً ونهاراً بقلبه ولسانه ، وهو المراد من قوله : * ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً ) * ( الأحزاب : 41 ) . واعلم أن في الآية لطيفة أخرى وهي أنه تعالى قال : * ( إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً ) * ( الإنسان : 23 ) أي